Posts

شوكولاتة باللبن

انا اسفة يا  مدام  لكن الميزان ما بيكدبش. وزنك دلوقتي خمسة وتسعين كيلو. يعني زدتي خمسة كيلو عن الاسبوع اللي فات. -ازاي الكلام ده؟ ده انا مشيت على الريجيم بالحرف الواحد. انا مش فاهمة ازاي يحصل كده يا دكتورة! -طب اهدي بس شوية. بطلي عياط حضرتك عشان افهم منك. خلينا ناخد حاجة حاجة. يعني مثلا مارستي رياضة كام مرة خلال الاسبوع ده؟ - كتير. اكتر من مرة في اليوم الواحد مش في الاسبوع! -ما شاء الله! ازاي يعني؟ -طول النهار واقفة على رجلي وحيلي مهدود. ومن بعد المغرب بقه يبدأ المشي على اصوله. مشي أكتر من مرة في الساعة الواحدة مش في اليوم! -معقول؟ وبتمشي فين بقه؟ في الشارع ولا النادي؟ -في البيت! طول الليل من الكنبة للتلاجة ومن التلاجة للكنبة! -أفندم؟ يا مدام أنا شرحت لك انك لازم تشتركي في جيم. -يوووه! انا انضميت في حياتي يا دكتورة ييجي لستة جيم. كل مرة وزني يزيد عما كان فاسيب الجيم لغيره. وكل مرة اقول يا بت ما تستخسريش في نفسك. روحي جيم اغلى واشيك. اتاري العيب مش في الجيم يا دكتورة -طب كويس انك وصلتي للنتيجة دي. عرفتي بقه ان العيب مش في الجيم؟ -عرفت وآمنت وصدقت...

ما كان ممكنا..لو!

لكنني لا أشعر بالراحة. أو بمعنى أدق، راحة مقارنة بماذا؟ لم أجرب الوضع الاخر كي أقارن. اعتمادا على ما أسمع نعم. بالتأكيد سأصل إلى استنتاج يوافق نظرية "الراحة" تلك. فأنا أنام وأصحو في مواعيد آدمية. ولا يمكنني ان أصف حياتي بأنها محفوفة بالمخاطر مثلا. بل غالبا لا أخرج من المنزل إلا بصحبة زوجي أو أحد أبنائي ومنهم من يفوقني طولا الآن. يقول لي دائما: "انت في راحة تُحسدين عليها". لكن الارهاق الدائم هو الوصف الوحيد السليم لحالتي اليومية ولا أعرف كيف تضيف الأخريات  من بنات الجنس الفضائي المسمى بالمرأة العاملة إرهاقا على ارهاق. ألستُ في حركة دائبة منذ أفتح عيني إلى أن أنهار في فراشي كجثة في فيلم بوليسي أمريكي كما يصفني هو نفسه؟  توصيل للمدرسة ثم للبيت ثم لدروس الباليه والسباحة والحساب والانجليزي وما يتخلل ذلك من طبخ وتنظيف (تنظيف الشقة وبعض ساكنيها أيضا)  ومساعدة في عمل الواجب المدرسي (وعمله بنفسي احيانا)  وتبضع   ودفع فواتير وشراء الكسوة الصيفية والشتوية والتمريض والمجاملات والطبطبة والتهديد  وكي الملابس ونشرها (على أنغام نكتة يطلقها أكبر الأبناء كل مرة وكأنه طقس...

وحيد وحداني حضرتك؟

وحيد؟ وحداني ومقطوع من شجرة؟ محاط بالناس من شروق الشمس إلى غروبها ومع ذلك تشعر بالغربة؟ نعم؟ أغلبنا كذلك. إن لم يكن في هذه اللحظة بالذات، ففي وقت ما.. مضى أو آت. لا؟ أنت محظوظ. وأنت أيضا مشكوك في مصداقيتك. تسأل طبعا ما العمل؟ الأمر يتوقف على نوع الوحدة. فالوحدة يا صديقي أنواع.  منها مثلا صنف جائع لا تكفيك - إن داهمك - كل محتويات الثلاجة. سأكون صريحة معك: هذا النوع يتطلب بعض الصرامة. فطعام الدنيا لن يسد الثقب الغائر في روحك. وهناك وحدة جامحة ك فرس عربية. تتملكك فتهيم على وجهك بلا هدف. تتجول في المدينة في أنصاف الليالي. تخرج إلى البلكونة بدون سبب. تذرع غرفة نومك جيئة وذهابا والناس نيام.  يصور لك عقلك أنك إن وقفت ساكنا أو - والعياذ بالله جلست - سيتوقف قلبك عن الخفقان. هنا أنصحك بألا تقاوم: استمر حتى تخور قواك.  ثم هناك وحدة مسكينة. قليلة الحيلة كطفل حزين. كل ما تريده منك أن تؤرجحها قليلا وستتركك في حالك. ضم ركبتيك إلى صدرك واقبض عليهما بذراعيك وطأطئ رأسك وتأرجح: للخلف وللأمام، للأمام وللخلف. سيهدأ الطفل الحزين وربما ينام.  إلى حين.   ل...

طبقا للكتاب

لم يدّع يوما انه خبير في التعامل مع النساء الباكيات. لكن كل ما قرأه في حياته من كتب يجمع على أن التصرف في هذه الحالة هو أن تحيطها بذراعيك وتدعها تبكي وتبكي بينما تبدو عليك إمارات الحكمة والتفهم. لم يقرأ يوما أن عليك أن تلهي المرأة الباكية بالنكات مثلا، أو بدغدغة قدميها، او بابهارها بحيلة كوتشينة. لذا فقد اتبع النصيحة المأثورة بحذافيرها: أحاطها بذراعيه، تركها تبكي وتبكي، وعدّل ملامح وجهه بحيث بدا حكيما.. متفهما.

أسئلة كبرى!

لسبب ما حمل على عاتقه أن يطرح اجابات جديدة صادمة للأسئلة الكبرى التي تشغل من حوله. لذا عندما سأله جليسه على القهوة بين رشفات الشيشة: ألا تتفق معي أنني سأصبح نسياً منسياًً بمجرد أن أغيب؟ أجابه بحماسة جذبت انتباه سائر الزبائن: "نعم!" ثم استطرد شارحاً: "وإليك ما سيحدث. معظم معارفك سينسونك بسرعة. وسيفعلون ذلك عمدا كمن ينسى حلما سيئا لا طائل من تذكره. سيستغرق الأمر وقتا اطول قليلاً مع من سبق لهم الحديث إليك، أو العيش معك، أو من أحبك. لكن سيأتي يوم يفشل فيه هؤلاء في تذكر ملامحك. سيدركون أن لا وسيلة للتأكد من صحة ما تنسبه لك الذاكرة من أقوال أو أفعال. وسيقنعون أنفسهم بأن كل ذكرياتهم عنك محض خيال. وأنك في الواقع لم تقل أو تفعل شيئا قط."

أوغاد وأشرار

كان فمها يبدو - في حاله الطبيعي- ممتعضاً. فم امرأة تعرف يقيناً ان الكون يقف ضدها، ولديها من القرائن ما يكفي. افترشت الأرض ككل ليلة. خطر ببالها انها لم تر القمر منذ عقود. فغيوم الدخان جاثمة على المدينة منذ زمن بعيد. المدينة 'لبست' الدخان وغطت به شعرها وجبهتها نزولاً إلى حاجبيها بل ونصف مجال رؤيتها: تماما كطريقة الشيخ سعد (إمام الجامع في قريتها التي لم ترها أيضا منذ عقود) في لبس العمة. اقتحمت قدمان مجال رؤيتها فانتظرت أن يمضي صاحبهما التعس كما يمضي الآخرون. ولما ملّت من المقارنة بين عدد واتساع الثقوب في فردتي حذائه رفعت إليه عينين غائمتين وقالت بتهكم: "أي خدمة". -"سؤال هذا أم إقرار واقع؟" أجابته بتنهيدة ونظرة خاطفة نحو السماء. -"ما هذه القمامة التي تبيعينها يا امرأة؟ أهناك حقاً من يشتري خردة كهذه؟". جاء ردها هذه المرة بصقةً على يمينها تلقاها الحصى القريب من الجارة. لاحظ لمعان الحصى المستهدف من بعد بلادة لون، وأعجبه اتساع نطاق الرمية. انحنى فالتقط قطعة حديد صدئة في حجم ووزن قالب طوب. -"ما هذا مثلا يا بائعة الجواهر؟". -"ب...

توماس هاردي.. أمس واليوم

انتهيت من قراءة "تيس" لتوماس هاردي الذي صنعتني كتاباته صنعا، ليس فقط لكثرة ما قرأت له بل لاعادتي مرارا قراءة بعض كتبه. لا أفعل هذا بالضرورة لحبكة القصة (رغم انه مشهود له بالبراعة في هذا)، وانما للاستمتاع بإضاءاته على النفس البشرية التي يخبئها في ثنايا الاحداث فتفاجئك كقطع النقود المعدنية التي كانت جدتي تخبئها في الكعك. على سبيل المثال تأمل هاردي وهو يقول على لسان "تيس" (تلك البطلة المظلومة التي أغرمت بها وسأتناولها لاحقا بتفصيل اكبر) ان كل ورقة من ورقات التقويم تحمل تاريخا جديدا: نتصفحها فنتوقف أحيانا عند ايام تعني لنا شيئا - فرحا كان او تعسا - ونمر سريعا على ورقات أخرى لا تمثل لنا اي شيئ. ثم انتبه وهو يقول إن المفارقة هي أننا لا نتوقف عند اليوم الأهم على الاطلاق: يوم الممات الذي يختبئ وسط صفحات التقويم فيتقن الاختباء. كم هزتني هذه الفكرة! وأنا في سباق الحياة المحموم أدون على مفكرتي موعدا مع طبيب او لقاء مع أصدقاء او رحلة سفر أجد نفسي أتساءل إن كان اليوم الذي وقع عليه اختياري الآن ببراءة سيكون لاحقا يوم الصمت الأخير. ثم لاحظ هاردي يقول في وصف شخصية عابرة:...