Posts

عالم نعيمة

ماتت نعيمة نور الدين. ركلها الحمار في لحظة طيش ولما رآها على الارض في وضع لم يشهده من قبل تحول الطيش الى جنون؛ واصل الركل إلى أن صارت جثة هامدة. مع انطلاق آذان الظهر بدأ الهجوم، وبانتهائه غادرت الروح الجسد وانتهى أمر نعيمة عند ذلك الحد. نزل الستار. انطلقت صافرة النهاية. قل ما شئت من تشبيهات. المهم أن نعيمة ماتت - أي شيء آخر لا يهم. فمثلا: لم يسمعها ابنها الوحيد وهي تتوسل من اجل البقاء على قيد الحياة. توسلت للحمار، للناس، لجدار الساحة، لحصى الارض. لحظتها كانت توسلاتها جزءً جوهرياً من المصيبة. اما الان فهي مجرد تفاصيل في "حادث مؤسف". شهدت الجنازة مشاجرتين الفضل في كلتيهما للجارة عدلات: مرة مع سلفتها التي أهملت نظافة أولادها ما أحرج العائلة كلها في رأي عدلات، ومرة مع أم النور التي لم تعدد على المرحومة ولا بربع قيمة العشرين جنيها التي لهفتها. فتلك التنهدات الباردة واللطمات الرقيقة والعيون الجافة لا تستحق أكثر من خمسة جنيهات. إنها سرقة في وضح النهار. بعد الجنازة التي للاسباب السابقة لم تكن مهيبة، لم يتحدث الزوج الذي أضحى أرملا ولا الابن عما حدث. وكأن نزول فاجعة كهذه كان امر...

في بعض الحالات قد يحدث موت

  فوق مفتاح النور يضحك ملء شدقيه، وسيم يتوسط مجموعة من اصدقائه. كل ما في الجملة السابقة مستغرب: أن يضحك، وملء شدقيه، وأن يكون له أصدقاء. كل ما في تلك الجملة لم يدم طويلا اللهم الا الوسامة. مجموعة يقف بعضها ويجلس البعض الاخر في مكان مفتوح في محاولة للانتظام امام الكاميرا باءت بالفشل من فرط مرحهم فقرر المصور أن يلتقط الصورة على هذا الحال. الهواء يعبث بشعر الجميع والأزرار العلوية من القمصان مفتوحة والاكمام مطوية الى الكوع كموضة الستينيات.  بجانب التلفزيون تعزف البيانو. فستانها خليق ببطلة من افلام الابيض والاسود، ابتسامتها واثقة، محسوبة. عيناها تنظران في بؤرة العدسة بتحد. تقولان: لن اشيخ أبدا. ما أجهل الشباب! لم ير أيا منهما ابدا على هذا النحو لأنه لم يكن قد خُلق بعد. بل لم يكونا على الارجح تزوجا أو تقابلا. على جانبي الساعة أيضا: إلى اليمين ها هو الوسيم ثانية، يقذف هذه المرة رضيعا سمينا مندهشا في سماء بدرجات الرمادي يفهم منها ان اليوم كان غائما. وإلى اليسار الواثقة ثانية، تتسلم شهادة التفوق في التوجيهية من ناظرة المدرسة التي علم لاحقا انها شقيقة نجمة ...

شوكولاتة باللبن

انا اسفة يا  مدام  لكن الميزان ما بيكدبش. وزنك دلوقتي خمسة وتسعين كيلو. يعني زدتي خمسة كيلو عن الاسبوع اللي فات. -ازاي الكلام ده؟ ده انا مشيت على الريجيم بالحرف الواحد. انا مش فاهمة ازاي يحصل كده يا دكتورة! -طب اهدي بس شوية. بطلي عياط حضرتك عشان افهم منك. خلينا ناخد حاجة حاجة. يعني مثلا مارستي رياضة كام مرة خلال الاسبوع ده؟ - كتير. اكتر من مرة في اليوم الواحد مش في الاسبوع! -ما شاء الله! ازاي يعني؟ -طول النهار واقفة على رجلي وحيلي مهدود. ومن بعد المغرب بقه يبدأ المشي على اصوله. مشي أكتر من مرة في الساعة الواحدة مش في اليوم! -معقول؟ وبتمشي فين بقه؟ في الشارع ولا النادي؟ -في البيت! طول الليل من الكنبة للتلاجة ومن التلاجة للكنبة! -أفندم؟ يا مدام أنا شرحت لك انك لازم تشتركي في جيم. -يوووه! انا انضميت في حياتي يا دكتورة ييجي لستة جيم. كل مرة وزني يزيد عما كان فاسيب الجيم لغيره. وكل مرة اقول يا بت ما تستخسريش في نفسك. روحي جيم اغلى واشيك. اتاري العيب مش في الجيم يا دكتورة -طب كويس انك وصلتي للنتيجة دي. عرفتي بقه ان العيب مش في الجيم؟ -عرفت وآمنت وصدقت...

ما كان ممكنا..لو!

لكنني لا أشعر بالراحة. أو بمعنى أدق، راحة مقارنة بماذا؟ لم أجرب الوضع الاخر كي أقارن. اعتمادا على ما أسمع نعم. بالتأكيد سأصل إلى استنتاج يوافق نظرية "الراحة" تلك. فأنا أنام وأصحو في مواعيد آدمية. ولا يمكنني ان أصف حياتي بأنها محفوفة بالمخاطر مثلا. بل غالبا لا أخرج من المنزل إلا بصحبة زوجي أو أحد أبنائي ومنهم من يفوقني طولا الآن. يقول لي دائما: "انت في راحة تُحسدين عليها". لكن الارهاق الدائم هو الوصف الوحيد السليم لحالتي اليومية ولا أعرف كيف تضيف الأخريات  من بنات الجنس الفضائي المسمى بالمرأة العاملة إرهاقا على ارهاق. ألستُ في حركة دائبة منذ أفتح عيني إلى أن أنهار في فراشي كجثة في فيلم بوليسي أمريكي كما يصفني هو نفسه؟  توصيل للمدرسة ثم للبيت ثم لدروس الباليه والسباحة والحساب والانجليزي وما يتخلل ذلك من طبخ وتنظيف (تنظيف الشقة وبعض ساكنيها أيضا)  ومساعدة في عمل الواجب المدرسي (وعمله بنفسي احيانا)  وتبضع   ودفع فواتير وشراء الكسوة الصيفية والشتوية والتمريض والمجاملات والطبطبة والتهديد  وكي الملابس ونشرها (على أنغام نكتة يطلقها أكبر الأبناء كل مرة وكأنه طقس...

وحيد وحداني حضرتك؟

وحيد؟ وحداني ومقطوع من شجرة؟ محاط بالناس من شروق الشمس إلى غروبها ومع ذلك تشعر بالغربة؟ نعم؟ أغلبنا كذلك. إن لم يكن في هذه اللحظة بالذات، ففي وقت ما.. مضى أو آت. لا؟ أنت محظوظ. وأنت أيضا مشكوك في مصداقيتك. تسأل طبعا ما العمل؟ الأمر يتوقف على نوع الوحدة. فالوحدة يا صديقي أنواع.  منها مثلا صنف جائع لا تكفيك - إن داهمك - كل محتويات الثلاجة. سأكون صريحة معك: هذا النوع يتطلب بعض الصرامة. فطعام الدنيا لن يسد الثقب الغائر في روحك. وهناك وحدة جامحة ك فرس عربية. تتملكك فتهيم على وجهك بلا هدف. تتجول في المدينة في أنصاف الليالي. تخرج إلى البلكونة بدون سبب. تذرع غرفة نومك جيئة وذهابا والناس نيام.  يصور لك عقلك أنك إن وقفت ساكنا أو - والعياذ بالله جلست - سيتوقف قلبك عن الخفقان. هنا أنصحك بألا تقاوم: استمر حتى تخور قواك.  ثم هناك وحدة مسكينة. قليلة الحيلة كطفل حزين. كل ما تريده منك أن تؤرجحها قليلا وستتركك في حالك. ضم ركبتيك إلى صدرك واقبض عليهما بذراعيك وطأطئ رأسك وتأرجح: للخلف وللأمام، للأمام وللخلف. سيهدأ الطفل الحزين وربما ينام.  إلى حين.   ل...

طبقا للكتاب

لم يدّع يوما انه خبير في التعامل مع النساء الباكيات. لكن كل ما قرأه في حياته من كتب يجمع على أن التصرف في هذه الحالة هو أن تحيطها بذراعيك وتدعها تبكي وتبكي بينما تبدو عليك إمارات الحكمة والتفهم. لم يقرأ يوما أن عليك أن تلهي المرأة الباكية بالنكات مثلا، أو بدغدغة قدميها، او بابهارها بحيلة كوتشينة. لذا فقد اتبع النصيحة المأثورة بحذافيرها: أحاطها بذراعيه، تركها تبكي وتبكي، وعدّل ملامح وجهه بحيث بدا حكيما.. متفهما.

أسئلة كبرى!

لسبب ما حمل على عاتقه أن يطرح اجابات جديدة صادمة للأسئلة الكبرى التي تشغل من حوله. لذا عندما سأله جليسه على القهوة بين رشفات الشيشة: ألا تتفق معي أنني سأصبح نسياً منسياًً بمجرد أن أغيب؟ أجابه بحماسة جذبت انتباه سائر الزبائن: "نعم!" ثم استطرد شارحاً: "وإليك ما سيحدث. معظم معارفك سينسونك بسرعة. وسيفعلون ذلك عمدا كمن ينسى حلما سيئا لا طائل من تذكره. سيستغرق الأمر وقتا اطول قليلاً مع من سبق لهم الحديث إليك، أو العيش معك، أو من أحبك. لكن سيأتي يوم يفشل فيه هؤلاء في تذكر ملامحك. سيدركون أن لا وسيلة للتأكد من صحة ما تنسبه لك الذاكرة من أقوال أو أفعال. وسيقنعون أنفسهم بأن كل ذكرياتهم عنك محض خيال. وأنك في الواقع لم تقل أو تفعل شيئا قط."